محمد ابو زهره

480

خاتم النبيين ( ص )

وإن قيام الدولة الفاضلة ، بعمل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في حياته والحواريين من بعده فيه تطبيق عملي للفضيلة والعدالة والمساواة . وإذهاب روح التفاوت والعنصرية ، وبث الإيمان والفداء ، ورجاء ما عند اللّه تعالى . ويكون ذلك حجة في الأرض على الذين يدّعون ، أن قيام دولة فاضلة على مبادئ الأخلاق ليس حلما لا يتأتى تطبيقه ، ولكنه عمل ثبت تحقيقه ، وقامت في الوجود أعلامه ، وأن الذين يفرطون في حقوق الإنسانية ، يسرفون على الناس في ظلمهم زاعمين أن الفضيلة والأخلاق علاقات شخصية ، ولا تصلح أن تكون أساسا للعلاقات الاجتماعية والإنسانية عامة . وأن قيام الدولة الإسلامية حجة قائمة على الذين يزعمون أن الدين علاقة بين العبد وربه . وأنه مقصور على المساجد والكنائس والصوامع ، لأنه لو كان الدين كذلك ما هاجر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ولارتضى البقاء في مكة المكرمة ، واكتفى أن يطلب من المشركين أن يتركوه وما يعبد ، وأن يتركهم وما يعبدون ، ولعلهم كانوا يرتضون بذلك ، وخصوصا أنهم كانوا يعلمون فيه الأخلاق الفاضلة ، والصدق وشرف المحتد ، والنسب الرفيع . ولكن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم كانت رسالته أبعد من ذلك أثرا ، وأعم من ذلك عملا ، وإنا نقول مقالة الذين يقولون أن الدين هو العلاقة بين العبد وربه ، ولكنا نعمم العلاقة بين العبد وربه ، فنجعلها عامة شاملة ، وليست خاصة بالصلاة والصوم ، إنما علاقة العبد بربه تقتضى الرحمة بعباده ، والعدل بينهم أيا كان جنسهم ، وأيا كان لونهم ، كما قال صلى اللّه تعالى عليه وسلم « لا يؤمن أحدكم ، حتى يحب الشيء لا يحبه إلا للّه » وأن كل عمل خير فيه صلاح الجماعة من عدل يقام ، وظلم يخفض ، وإعلان مساواة ورفق بالناس ، كل هذا عبادة إذا قصد به وجه اللّه ، ولا يمكن أن يكون مصلح قادرا على الإصلاح ، إلا إذا أخلص النية للّه تعالى ، وأراد نفع الناس مرضاة للّه تعالى العلى القدير ، فالذين يفصلون بين عبادة اللّه تعالى وحده ، وحسن المعاملة ، وتنظيم المعاملات بين الناس ، يفصلون بين الدين ولازمه ، والحقيقة وما يترتب عليها ، والمقدمة والنتيجة . 335 - وإن العرب كانوا أصلح الناس لتجربة الدولة الفاضلة التي وضع اللّه تعالى في الكتاب الكريم وعلى لسان رسوله الأمين ، دعائمها وأسس إقامتها ، وقد سن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم السنن العملية لتطبيق أحكام اللّه تعالى ، فبين العبادات المفروضة من صلاة وصوم ، وحج وزكاة ، وإن كانت الصلاة قد ابتدأت في آخر أيامه صلى اللّه تعالى عليه وسلم في مكة المكرمة ، عند الإسراء والمعراج .